رأيتني.. رأيتك.. عرفتُ انك رأيتني.. عرفتَ أني رأيتك.. مثلت أنك لم ترني.. مثلت أني لم أرك.. انصرفنا لمتابعة العرض على المسرح.. ضحكنا مع الضاحكين.. وشجعنا مع المشجعين.. انتهي العرض على الخشبة.. صفق الجمهور.. انحنى الممثلون.. أضيئت الأنوار.. و قررنا مواصلة التمثيل.. أنصرف الجميع.. ولم يصفق لنا أحد.. أتساءل أحيانا، لماذا أقبل أن يورطني ممثلون فاشلون بأدوار سخيفة لا أتقنها، فقط من أجل متعة التمثيل معهم في نفس المسرحية؟!
كان بانتظاري عند باب المنزل اليوم.. تفاجأت برؤيته.. ضحك قلبي.. هل أبقى أتأمله من مكاني حيث لا يراني ولا يشعر بي ..أو أقترب؟ فكرت أني ربما أربكته فيرحل سريعا.. اقتربت بخطى مترددة.. وبقى في مكانه هادئا..واثقا.. هل يعقل أن يكون بانتظاري أنا؟!!! اقتربت منه.. أكثر.. ومددت يدا مرتعشة.. هل سيبقى؟ نعم مازال هنا!!!!!! لم يذهب بعد!! خفت أن يقرر الرحيل.. ولكنه مازال هنا.. يبدو مرتاحا لأصابعي.. "ما أحلاك"! وبقي واقفا.. واثقا!! لم يذهب!! فكرت للحظة.. هل هو مريض؟ لماذا هو صامت؟ لماذا لم يرحل بعد؟ ولم أجرؤ على سؤاله.. واصلت أصابعي اختبار دفء جسده.. ومازال قلبي يبتسم.. غمرتني طمأنينة نادرة.. وفرح حقيقي..
نظرت إلى الباب المفتوح.. ثم نظرت إليه واقفا على العتبة.. بين "جوا" و "برا" هل اصطحبه إلى الداخل؟؟ هل هذا ما يرغب به؟ هل جاء يبحث عن حنان؟ هل جاء يبحث عمن يسمعه؟ تجرأت.. و قررت أن أدخله.. هل خاف أن يكون أسيري؟ هل أوجعته؟ لا أدري.. انتفض بين أصابعي.. و.. طار!!
تجنبت منذ بداية الأحداث أن أخوض في أي جدل عقيم حول "الحق مع مين وعمين؟"، أو محاولة تقديم مبررات لحزب الله أو حزب الشيطان. "وجود سبب لا يعني بالضرورة وجود مبرر" المقرف في الأمر أن الحمية تأخذنا دائما لنصل لحالة من التخبط، مدفوعين بغضب دفين و مبرر و متراكم في صدورنا لدهور على كيان غاصب (تربيت على كرهه وكره كل ما يمت له بصلة مثلي مثلكم) فنشعل نار حقد أعمى تحرقنا قبل أن تحرقه.. عندما ترددت إشاعة أمس مقتضاها توغل بري لقوات اسرائيلية في جنوب لبنان.. كانت الكلمة التي سمعتها من أغلب من حولي هي "أحسن"! الكثير ممن جاوبوني بـ "أحسن" قالوا أن هذه فرصة لتتربى إسرائيل وتعرف قوة المقاومة.. "خليهم يحرقوهم، خليهم يفرجوهم شو بنقدر نعمل" شو "بنقدر" نعمل؟؟!!!!!!!! نعم، لذائد الحياة التافهة ضرورة، أكثر من الكرامة الزائفة. أتساءل أحيانا عن أي كرامة نتحدث، عندما يموت البشر؟ عن أي كرامة نتحدث عندما يكون الجوع خبزنا والفزع مسكننا، وجثث أطفالنا وقود لنار نتدفأ عليها؟! أجاهد لأبقى ذهني صافيا من تلوث دخان القنابل والمتفجرات، والقهر الذي تزرعه الجثث، حتى لا يجرفني تعصبي وحقدي على إسرائيل فأقول "أحسن" للقصف والقتل والدماء. كفى ذبحا، لم يبق بشر! تحولوا جميعهم إلى وحوش، أو جثث!
اكره أن أقلق! لا ادري لماذا لا يعودون بدلا من اجترار قلقنا عليهم.. قرار عمي كان.. "مابخلي الإسرائيليين يخربون إجازتي" اوكيه .. ماشي .. بس ضروري تخليهم يخربوا أعصابي؟؟!!! كل التلفونات مقطوعة.. والشبكة مشغولة .. وأنا عم إسمع أخبار.. وما بعرف شو صاير معن!! والكل عم يتصل فيني أنا ليتطمن!! مع انه أنا متلي متلهن عندي نفس الأرقام اللي عندهم.. كالعادة!! دايما بيتصوروا انه عندي شي حل سحري لكل شي!! هالمرة ماعندي شي!! عندي بس شوية هدوء أعصاب هن ضيعوه.. وما بعرف قديش فيني احتفظ فيه.. مليت.. وما بدي حدا يسألني على حدا.. ما بدي اقلق!!
نصف عائلتي تصيف هذه اللحظة في لبنان.. في بيروت لدي العديد من الأصدقاء والأحباء.. بعض ممن أنا قلقة عليهم وصلوا في هذه اللحظة إلى دمشق في طريقهم إلى العودة.. العائلة قررت البقاء بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة.. باقي الأصدقاء من اللبنانيين غير متفائلين بالمرة.. ومن تكلمت معه منهم يقولون أن البلد في حال "طبيعي" بس الناس خايفه! وأنا مسمرة وحدي في البيت أتنقل بين قنوات الأخبار وأحاول أن أسيطر على قلقي بإرسال الرسائل إلى أولئك الذين يعيشون في قلب القلق! الله يحميكم ويحمي لبنان!
كنا بجلعاط واحد صرنا بجلاعيط.. بصراحه بطلت فاهمة شي! الألوان كلها رمادي.. والسم مدسوس بالعسل.. والملح فاسد.. وعلى قول الحكماء "إذا فسد الملح بشو نملّح؟" وكله جلعاط بجلعاط.. في حدا فاهم تيفهمني؟؟
مر كأس العالم علي بسلام... لم أتابع مباراة واحدة كاملة، أما النهائي فقد كنت وقت عرض المباراة في عالم الأحلام (باكل عسل مع الملايكه).. ذهبت إلى النوم ليلتها وأنا أتذكر وجوه الزملاء المرابطين في المكتب بانتظار حلول "الوقت" ، أحدهم ما كان اله جلاده يرجع على الشارقة، ولمن لا يعرف ماذا يعني طريق دبي الشارقة، فهو ببساطة رحلة تعذيب جهنمية. "ح" كان نصف نائم على أريكة غرفة الاستراحة في المكتب بعينين محمرتين بانتظار الحدث! قبل أن أنام لم أتمالك نفسي من الابتسام بعد أن تخيلته نائما على المقعد بانتظار أن يبدأ الحماس بضخ الأدرنالين في عروقه! استيقظت صباح اليوم التالي على خبرية فريدة من نوعها، أدت إلى أن يكون لدينا حدث أكثر أهمية ربما من كأس العالم.. لم اقرأ أي مما كتب عن الكأس نفسه لكني قرأت في اليومين الماضيين أغلب ما كتب عن نطحة زيزو.. لست بوارد مناقشة ما فعله زيدان من الناحية الأخلاقية، فهذا شانه. وفي الواقع أنا نفسي أحس أحيانا انه.. بدي انطح بعض ناس، أو اهفهم شي بُـــــكس على طريقة "لارا كروفت" مع الشريرين! بيصير انه الواحد طبعا يعصب ويسب وينطح كمان، please feel free يا جماعة، بيظل أحسن مالواحد ياكل بحاله أكيد! لأنه كتم المشاعر مو منيح للصحه النفسية بشكل عام.. هلق طبعا الناس بتختلف في ردود أفعالها، في ناس بتوجه غضبها على المخدات (متل حالتي)، غيرهم بينطحوا حدا ماله دعوى بالموضوع بس لأنه بيقدروا عليه وماراح ياخدوا طرد! وناس تانية (متل زيدان) بينطحوا دغري وقدام كل خلق الله و على شاشات التلفزيون! لم نعرف لغاية الآن كلمة السر التي قالها اللاعب الايطالي والتي أشعلت حمية "زيزو". البعض يقول أنه شتم دينه، آخرين أكدوا أنه شتم أخته أو/و أمه.. الموضوع يا جماعة فيه شتم بس مابنعرف شو بالضبط.. نطح زيزو.. وتحول بقدرة قادر إلى بطل قومي.. زيزو الذي لا اعرف إن كان يفتخر بكونه عربي الأصل كما نفتخر نحن! وانه يلعن جيناته المعطوبة التي ولد بها؟ ولست ادري إن كان يشعر انه مسلم بنفس القوة التي نشعر بها انه كذلك! لكن هل يهم ذلك.. لا أظن .. فالمخيلة العربية المنهكة بحلم البطل منذ أيام صلاح الدين الذي مازلنا نتباكى عليه، مصره على تحويل زيزو إلى بطل قومي نطح زيزو.. فأصبح المدافع عن العروبة والحامي لشرف الإسلام! فبعد أن يأسنا من أن يكون لدينا شخص يحرر فلسطين، وصلنا أخيرا إلى حالة من الاستعداد لتنصيب البطل وفقا لقدراته على نطح من يشتمه! بطل لا يرضى بالدوس على كرامته و يقول بالصرمايه حتى لكأس العالم! مع أنه يبدو والله اعلم أن مقاييسنا للبطل القومي قد بدأت بالتقلص، إلا أني لا أرى سببا واحدا يدعو للتشاؤم! ليش بنظلنا زعلانين والله ما بعرف! مع كل هالأبطال اللي عنا؟ صحيح ما إلنا حق! مستقبلنا مشرق يا عرب!
قلب كل موازيني.. حطم كل دفاعاتي.. استسلمت لسحره منذ اللحظة الأولى.. واعترفت بأني أحبه! ابتسم له .. فيهديني ألق عينيه الرائعتين.. أحاكيه فيسحرني بابتسامه تنسيني ما كنت أقول.. أضمه.. يستلم لي.. واستسلم له.. اغني له.. أهدهده فينام.. يغفو على ذراعي ببراءة.. فيزهر في قلبي الفرح.. أطرب لأنغام تنفسه.. و أغازل خصلات شعره..







